صديق الحسيني القنوجي البخاري
467
فتح البيان في مقاصد القرآن
كم الخبرية التكثيرية والأكثر إدخال من في مميزة وهو تمييز عن الكاف لا عن أي كما في مثلك رجلا . والمعنى كم من آية كائنة فِي السَّماواتِ من كونها منصوبة بغير عمد مزينة بالكواكب النيرة السيارة والثوابت وَالْأَرْضِ من جبالها وقفارها وبحارها ونباتها وحيواناتها تدلهم على توحيد اللّه سبحانه ، وأنه الخالق لذلك والرازق له المحيي المميت . قال الضحاك : كم من آية في السماء ، يعني شمسها وقمرها ، ونجومها وسحابها ، وفي الأرض ما فيها من الخلق والأنهار والجبال والمدائن والقصور ولكن أكثر الناس يَمُرُّونَ عَلَيْها أي على هذه الآيات غير متأملين لها ولا متفكرين فيها ولا ملتفتين إلى ما تدل عليه من وجود خالقها وأنه المتفرد بالألوهية مع كونهم مشاهدين لها ، وفي مصحف عبد اللّه يمشون عليها ، والمراد ما يرون فيها من آثار الأمم الهالكة وغير ذلك من الآثار والعبر . وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ وإن نظروا إليها بأعيانهم فقد أعرضوا عما هو الثمرة للنظر بالحدقة وهي التفكر والاعتبار والاستدلال . وَما يُؤْمِنُ أي ما يصدق أَكْثَرُهُمْ أي أكثر الناس بِاللَّهِ من كونه الخالق الرازق المحيي المميت إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ باللّه يعبدون معه غيره . أقول : إن إيضاح ما تضمنته هذه الآية يتوقف على إيضاح ما ذكره أهل التفاسير المعتبرة وينحصر ذلك في وجوه اثني عشر ، وينضم إلى ذلك ما ذكرته أنا فيكون الوجوه ثلاثة عشر . الوجه الأول : أن أهل الجاهلية كانوا يقرون بأن اللّه سبحانه خالقهم ورازقهم ويعبدون غيره من أصنامهم وطواغيتهم ، قال تعالى : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [ لقمان : 25 ] لكنهم كانوا يثبتون له شركاء فيعبدونهم ليقربوهم إلى اللّه كما قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى [ الزمر : 3 ] ومثل هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم أربابا من دون اللّه . والمعتقدون في الأموات بأنهم يقدرون على ما لا يقدر عليه إلا اللّه سبحانه كما يفعله كثير من عباد القبور . فهذا الإقرار الصادر منهم بأن اللّه عزّ وجلّ خالقهم ورازقهم هو يصدق عليه أنه إيمان بالمعنى الأعم أي تصديق لا بالمعنى الأخص أعني إيمان المؤمنين ، فهذا الإيمان الصادر منهم واقع في حال الشرك فقد آمنوا حال كونهم مشركين ، وإلى هذا الوجه ذهب جمهور المفسرين ، ولكنهم لم يذكروا ما ذكرناه ههنا من تقريره بكونه إيمانا بالمعنى الأعم ولا بدّ من ذلك حتى يستقيم الكلام ويصدق عليه مسمى الإيمان . الوجه الثاني : أن المراد بالآية المنافقون لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ويبطنون الشرك فما كانوا يؤمنون ظاهرا إلا وهم مشركون باطنا . وروي هذا عن الحسن البصري .